جميل صوان الإسلامي

معلومات ونقاشات اسلامية منوعة
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الدَّولة الإسلاميَّة...مقدمات

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 201
تاريخ التسجيل : 03/03/2015

مُساهمةموضوع: الدَّولة الإسلاميَّة...مقدمات    الإثنين يونيو 08, 2015 6:35 am

الفَصْلُ الرَّابع: الدَّولة الإسلاميَّة

نشأتها، وظائفها، علاقاتها الخارجية، حصاناتها، زوالها




المبحث التمهيدي ـ مقدمات

المطلب الأول :

أولاً ـ المنشأ التاريخي لمفهوم دار الإسلام ولمفهوم الدولة الحديث :

ثانياً ـ التمييز بين مفهومي دار الإسلام والدولة الإسلامية :

ثالثاً ـ اتجاه تطور مفهومي دار الإسلام والدولة الحديثة :

المطلب الثاني ـ نشأة مصطلح الدولة الإسلامية :

السبب في إطلاق مصطلح الدولة الإسلامية على نظم الحكم الإسلامية :

صلاحية نظام الحكم الإسلامي للتطبيق في الوقت الحاضر :

المبحث الأول ـ أركان الدولة الإسلامية ونشأتها وشخصيتها :

المبحث الثاني: خصائص الدولة الإسلامية ومقارنتها بالدولة الحديثة :

المبحث الثالث - وظيفة دولة الإسلام:

المبحث الرابع ـ حصانات الدولة وإعفاءاتها في الخارج

المبحث الخامس ـ تغير حالة الدولة الإسلامية وزوالها وآثار ذلك










المبحث التمهيدي: مقدمات

وفيه مطلبان:



المطلب الأول :



أولاً ـ المنشأ التاريخي لمفهوم دار الإسلام ولمفهوم الدولة الحديث :




1. ................



كانت الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة (يثرب) وما سبقها من بيعتي العقبة أساساً في نشأة أو تكوين الدولة الإسلامية، أو دار الإسلام في اصطلاح فقهائنا؛ إذ بذلك تميزت شخصية المسلمين عن المشركين، وتوطدت لهم في المدينة الدعائم الأولى للأمن والاستقرار، وبرزت السلطة السياسية للنبي، وهذه السلطة تعتبر الآن هي العنصر الجوهري في تكوين الدولة  .




• وكان من مظاهر ممارسة النبي عليه السلام لتلك السلطة أنه قام بموادعة اليهود في المدينة حينما كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهود، وعاهدهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم، واشترط عليهم .




• وبدأ التشريع القرآني ينظم أوضاع الجماعة الإسلامية لتدبير شؤونها وسياسة ملكها، وكان النبي صلّى الله عليه وسلم يمارس سلطانه السياسي في تنفيذ القوانين والأنظمة المشرعة، وتأديب العصاة، ومعاقبة الجناة، وعقد الاتفاقات أو المعاهدات ومحاربة الأعداء؛ إذ أنه بعد اثني عشر شهراً من مقدمه عليه السلام إلى المدينة وقعت أول غزوة في الإسلام: وهي غزوة الأبواء التي خرج فيها الرسول صلّى الله عليه وسلم يريد قريشاً، فوادعته بنو ضمرة بودَّان  .




• الهجرة إذن كانت نقطة تحول في تاريخ الإسلام تمخض عنها ميلاد دولة جديدة لم يعرف لها مثال سابق بين العرب أطلق عليها الفقهاء اصطلاح (دار الإسلام)، لأن اصطلاح (الدولة) لم يكن معروفاً وقتذاك، ولأنه كان هناك تلازم بين مفهومي الدولة ودار الإسلام.




• ويلاحظ أنه تميزت دولة دار الإسلام في بدء تكوينها بأنها دولة متحدة تجمع كل من استجاب لدعوة الإسلام، وآمن برسالة محمد صلّى الله عليه وسلم على أساس أن حكم الإسلام أو شرعه يسودها، وإن ولايته الشخصية تمتد إلى مختلف الأقاليم الإسلامية  .




2. ..............





• وأما مفهوم الدولة الحديث فقد ظهر في أوربا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر بعد أن تحطمت السلطة البابوية. وانهار النظام الإقطاعي، أو مبدأ الزعامات الإقطاعية الذي كان يقوم على الجمع بين ملكية الأرض وبعض الامتيازات كقيادة الجيش أو جمع الضرائب مثلاً، دون أن يكون للملك سلطة حقيقية إلا على أرضه التي اقتطعها لنفسه. وقد أدى تجمع سكان الإقطاعات إلى ما يدعى بالأمة كالأمة الإيطالية والأمة الفرنسية، ثم تولد عن ذلك ما يعرف بالدولة بوجود سلطة سياسية في المجتمع، لأن السلطة السياسية هي الصورة الحديثة للجماعة السياسية.




• وهكذا توالى ظهور الدول الحديثة ذات القومية الواحدة، وتوطدت أركانها الاقتصادية، كما حدث في إنجلترا وفرنسا وأسبانيا، والبرتغال والسويد والدانمرك والنرويج، والمجر وبولندة وروسيا، وأصبحت القاعدة أن تتمتع الدول بالسيادة ولا تخضع لسلطة عليا أخرى.




• الأمر على دول غرب أوربا، ثم انضمت إليها سائر الدول المسيحية، غير الأوربية، ثم اتسعت في سنة 1856 م فشملت تركيا الدولة الإسلامية ودولاً أخرى غير مسيحية كاليابان والصين  .




ثانياً ـ التمييز بين مفهومي دار الإسلام والدولة الإسلامية :





3 ـ .............




• على الرغم مما كان قائماً من وجود التلازم بين مفهومي دار الإسلام والدولة الإسلامية، فإن دار الإسلام تتميز بارتكازها على أساس العنصر المادي (أي الأرض أو الاقليم)




• وأما الدولة الإسلامية فتتميز بما لها من صفة السيادة (أو الاستقلال) والشخصية المعنوية ذات الأهلية والذمة المالية المستقلة عن ذمة أشخاص رعاياها، فلها مالية مستقلة عن أموالهم تتمثل في بيت المال  . وكانت الدولة الإسلامية مستقلة لا تخضع لأي سلطة أخرى، كما كانت مستقلة عن أشخاص الحكام فيها، وكان يعد الحاكم بمثابة أمين على السلطة ونائباً عن الأمة . وهذا هو المعنى الذي يرمز إليه فقهاء القانون الوضعي القائلون بأن الدولة توجد حينما تجد السلطة السياسية سندها لا في إنسان، ولكن في شخص معنوي مجرد له طابع الدوام والاستقرار والاستقلال عن أشخاص الحكام أنفسهم .




ثالثاً ـ اتجاه تطور مفهومي دار الإسلام والدولة الحديثة :




4. ..............





• المبدأ أو الأصل الفقهي أن تكون دولة الإسلام أو دار الإسلام موحدة السياسة وشاملة لجميع الأقاليم الإسلامية، وذلك لتحقيق غاية الإسلام الأساسية: وهي قوة الإسلام والمسلمين بأن يكونوا جميعاً يداً واحدة، فيتجهون، اتجاهاً واحداً، وتسوسهم سياسة واحدة تحقق الخير والمصلحة للجميع.




• وقد ظلت الخلافة أو الدولة الإسلامية بناء على ذلك موحدة الصف طوال القرون الثلاثة الأولى الهجرية، ثم تجزأت دار الإسلام خلافاً للمبدأ السابق، فقامت دول إقليمية في عهد الدولة العباسية، وانقسمت الخلافة العباسية إلى دويلات: في العراق نفسها،وإيران والشام ومصر وشمالي إفريقية، ثم فيما بعد في الأندلس، فظهرت في أسبانيا الدولة الأموية الثانية ( 317-423 هـ )، وقامت الخلافة الفاطمية (297-567 هـ )، في المغرب، ثم انتقلت إلى مصر في عهد المعز لدين الله سنة (362 هـ).




• وهكذا وجدت في وقت واحد ثلاث خلافات إسلامية: خليفة عباسي في العراق، وخليفة أموي في الأندلس، وخليفة فاطمي في إفريقية وجنوبي إيطاليا وصقلِّية، ثم مصر وقسم كبير من الشام  .




• وكان من أهم عوامل التجزئة وفصم عرى الوحدة الإسلامية هو الفتنة الأولى أو الكبرى التي انتهت بمصرع عثمان بن عفان رضي الله عنه، والفتنة الثانية التي انتهت بقتل الحسين بن علي وآل بيته رضي الله عنهم في كربلاء.




• وفي وسط هذا الاختلاف بين أهل السنة والشيعة وتشعب الآراء وتعدد الفرق وانقسام المسلمين إلى دويلات، انقض التتر والمغول على الخلافة العباسية في بغداد، فأزالوا معالمها ثم استولوا على دمشق. ثم جاءت الدولة العثمانية، فاستولت على البلاد الإسلامية وعاصرت انسلاخ الأندلس وطرد المسلمين منها ومن سائر أوربا بسبب ضعفهم أمام العدو، وطلبهم النصرة بل الحماية من العدو المشترك أيام (ملوك الطوائف).




• ثم ضعفت الدولة العثمانية: فانقض المستعمرون الغربيون على الأقاليم الإسلامية يتقاسمونها بينهم بالحماية أو الانتداب أو الوصاية مستفيدين من النُّعَرة الوطنية وظل الحال كذلك إلى أن استقل معظم البلاد في وحدات اقليمية أو دويلات متعددة بنحو خمسين دولة إسلامية في الوقت الحاضر.




والخلاصة: إن مفهوم دار الإسلام اتجه خلافاً للمبدأ الإسلامي نحو التجزؤ والانقسام في واقع الحياة الإسلامية مما أدى إلى ضعف دولة الإسلام. وبسط نفوذ المتسلطين عليها، ومعاناة مختلف أشكال الاستعمار القديم والجديد.




5. ........






• وأما الدول الحديثة فإنها بعد أن قامت على أساس الإقليمية الضيقة، دأبت على توفير أو استكمال خصائصها أو عناصرها: وهي النظام  والسيادة والشخصية القانونية




          (1) النظام: معناه ائتمار الجماعة بأمر فئة منها وخضوعها لقراراتها. أو بعبارة أخرى: وجود طبقة من الحكام وأخرى من المحكومين. وهذا في الحقيقة هو المظهر الداخلي لسيادة الدولة وسلطانها.




          (2) السيادة: وصف أو خاصية تنفرد بها السلطة السياسية في الدولة، ومقتضاها أن سلطة الدولة سلطة عليا لا يسمو عليها شيء، ولا تخضع لأحد، ولكن تسمو فوق الجميع، وتفرض نفسها على الجميع. ومقتضاها أيضاً أن سلطة الدولة سلطة أصيلة، أي لا تستمد أصلها من سلطة أخرى. وللسيادة وجهان: سيادة خارجية، وسيادة داخلية.




                   الأولى خاصة بالعلاقات الخارجية بين الدول، ومقتضاها عدم خضوع الدولة صاحبة السيادة الخارجية لأية دولة أجنبية، والمساواة بين جميع الدول أصحاب السيادة، ومن ثم فالسيادة الخارجية مرادفة للاستقلال السياسي، وذلك يتوفر باعتراف الجماعة الدولية بها، فهي ذات دور سلبي محض.




                 وأما السيادة الداخلية أو النظام كما ذكرت فلها معنى إيجابي مضمونه أن الدولة تتمتع بسلطة عليا على جميع الأفراد والهيئات الموجودة على إقليمها، وأن إرادتها تسمو على إرادتهم جميعاً، أي أن سيادة الدولة الكاملة تعني استقلالها الخارجي، وسمو سلطانها في الداخل،




               وهذا يدل على أنه لا دولة بدون سيادة، وقد حل محل هذه الكلمة في العرف الحديث لفظة (استقلال الدولة). ويمكن القول بوجود أساس لمبدأ السيادة الخارجية أو الاستقلال السياسي في القرآن الكريم في قوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} [النساء:141/4] وقوله تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون:8/63] والعزة: الأنفة. ومن أّهم مقوماتها الاستقلال الذي هو من مستلزمات التمكين في الأرض الذي وعد الله به المؤمنين الذي يعملون الصالحات.




     (3) الشخصية القانونية أو المعنوية: هي الخاصة الثانية للدولة،




             ومعناها أن الدولة وحدة قانونية مستقلة عن أشخاص الحكام الذين يمارسون السلطة، وأن هذه الوحدة لها طابع الدوام والاستقرار لا تزول بزوال الأفراد الذين يباشرون الحكم، وإن السلطة التي تتمتع بها إنما تقوم من أجل خدمة أغراض الجماعة، لا من أجل تحقيق مآرب شخصية للحاكم. ويترتب على ذلك أن الشخص المعنوي يلزم غيره، ويلتزم في ذمته كالأشخاص الطبيعيين تماماً، أي أن له أهلية التمتع بالحقوق وتحمل الالتزامات، كما أشرت سابقاً




           إلا أن نظريةالسيادة المطلقة تعرضت في العصر الحديث لانتقادات جوهرية، وهجرها الكثيرون على اعتبار أنها لا تتفق مع الظروف الحالية للمجتمع الدولي ، وبرز اتجاه معاصر نحو إمكان الانتقاص من السيادة على الصعيدين: الإقليمي والدولي، ففي مجال التعاون الإقليمي نما الإدراك لدى بعض الشعوب والأمم بوجوب التجمع في صور تغاير صورة الدولة بعناصرها التكوينية الحالية، وبوجوب التعديل في عنصر السيادة الذاتية، وظهرت الاتحادات القارِّية كالاتحاد الأمريكي الذي نشأ في أواخر القرن الماضي، ثم تجدد تنظيمه بعد الحرب العالمية الثانية، وكالاتحاد الأوربي الذي برز إلى حيز التحقيق العملي بعد الحرب العالمية الأولى، ثم بدت أهم مظاهره بعد الحرب العالمية الثانية، فنشأ المجلس الأوربي سنة (1949م)، وعقدت اتفاقية السوق الأوربية المشتركة عام (1957 م)، وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية وقعت روسيا والدول الشيوعية ميثاق وارسو سنة (1955م) (2) . وهكذا تتجه الدول الحديثة في النطاق الإقليمي نحو الوحدة أو الاتحاد لتقوية شأنها ودعم نفوذها.




        وعلى الصعيد الدولي طرأ على مفهوم السيادة قيد جديد، فأصبحت الدول من الناحية النظرية القانونية لا الواقعية الفعلية غير مطلقة التصرف في ميدان العلاقات الدولية لخضوعها للقانون الدولي العام المفروض على الدول بناء على اعتبارات تعلو على إرادتها، والذي هو يورد قيوداً على تصرفات الدول، ويحكم علاقاتها مع الدول الأخرى ومع الهيئات الدولية، فمثلاً: تضمَّن ميثاق الأمم المتحدة قيداً على مبدأ السيادة المطلقة في مظهرها الخارجي، فقضى على حق الدولة في إعلان الحرب متى شاءت، لأن الميثاق يقوم على فكرة نبذ الحروب ووجوب استتباب الأمن والسلم الدولي  .




      والخلاصة: أن الاتجاه الحالي للدول نحو التجمع والاتحاد يتفق مع أصل الفكرة الشرعية الداعية إلى وحدة السلطة أو السيادة في جميع أقاليم دار الإسلام.






المطلب الثاني ـ نشأة مصطلح الدولة الإسلامية :





(1) السبب في إطلاق مصطلح الدولة الإسلامية على نظم الحكم الإسلامية :






6. ......

         
 لم يضع العلماء المجتهدون نظرية عامة للدولة تبين أسسها النظرية أو العملية، وإنما كانوا يضعون الحلول ويقدمون الآراء بمناسبة كل حالة طارئة، كما هو الشأن في أغلب أحكام الفقه الإسلامي،

 لكنهم مع ذلك يلاحظ أنهم يسيرون على هدى مبادئ ونظريات عامة ثابتة،

وهكذا فإن الدولة الإسلامية قامت على دعائم جديدة مبتكرة تختلف تماماً عن الدعائم التي قامت عليها بيزنطة وفارس، ومنها أن الإسلام نبذ فكرة سيطرة الحاكم، وفكرة خضوع المحكومين في الشؤون الدينية والدنيوية معاً لغير مبادئ الإسلام، فالله وحده هو صاحب السلطان في شؤون الآخرة من ثواب أو عقاب،



ويقوم نظام الحكم في الشؤون الدنيوية على القواعد الشرعية في حفظ المصالح ودرء المفاسد بحسب حال الزمان والمكان، وعلى أسس العدل والشورى والمساواة والمعاملة بالمثل والأخلاق، وعدم التمييز بين الناس في الجنس واللغة أو اللون أو الإقليم  .


7. .........


 ونلاحظ أن عناصر الدولة الحديثة نفسها التي تتكون منها الآن كانت متوافرة في تكوين الدولة الإسلامية في الماضي: وهي الجماعة من الناس، والخضوع لنظام معين، والتسليم المحدد، والسلطان أو السيادة، والشخصية المعنوية.



 هذه العناصر والخصائص توافرت بذاتها في الحكومة النبوية التي أقامها الرسول صلّى الله عليه وسلم في المدينة، فالمسلمون الأولون من المهاجرين والأنصار هم شعب الدولة، والشريعة الإسلامية هي نظامها، والمدينة هي إقليمها، والنبي صاحب السلطان لا يشاركه فيه سلطة أخرى، والجماعة الإسلامية تمثل الشخصية المعنوية للدولة فيكون لها حقوق، وعليها التزامات، وتظل المعاهدات التي يعقدها الحاكم الأعلى نافذة المفعول لا تنتقض أو لا تنتهي بوفاته.



 وكانت بيعتا العقبة الأولى والثانية قبل الهجرة  على الإيمان بالله وبرسوله، وعلى السمع والطاعة للرسول عليه الصلاة والسلام، وحمايته ونصرته هما الركيزة الأولى في الاتفاق على تكوين دولة المدينة .




 كانت إذن الحكومة النبوية في المدينة جديرة بإطلاق مصطلح الدولة الإسلامية عليها، ويؤكد ذلك ما قام به النبي صلّى الله عليه وسلم من إصلاحات اجتماعية وسياسية عقب الهجرة مباشرة، فجمع بين المهاجرين والأنصار وآخى بينهم، ووادع يهود المدينة، وكانت هذه المعاهدة بين المسلمين وغيرهم بمثابة الدستور الذي نظم شؤون المسلمين وعلاقاتهم بغيرهم داخل المدينة وخارجها  على نحو أشبه ما يسمى اليوم بالميثاق الوطني.



 وكان النبي صلّى الله عليه وسلم يمارس شؤون السلطات الثلاث (التشريعية والقضائية والتنفيذية)، فكان عن طريق الوحي والاجتهاد الخاص يضع قواعد السلوك للناس في حياتهم الاجتماعية، ويحكم بين الخصوم، ويجبي الصدقات، ويوزع الغنائم، ويولي الأمراء على القبائل والمدن ويحدد لهم الاختصاصات، ويرسل القضاة إلى الأمصار، ويقود المعارك، ويعقد عقود الصلح أو الموادعة.




 أنشأ النبي صلّى الله عليه وسلم بهذه التصرفات تنظيماً أو جهازاً إدارياً بالتدريج توضحت معالمه واستكملت عناصر بنيانه قبل وفاته بسنتين، حيث أرسل الأمراء والعمال إلى البلاد التي آمنت برسالته، وكان في كل وقت شديد الحرص على مشاورة أصحابه، ويقوم أحد كتاب الوحي عنده بالكتابة إلى الملوك والأمراء، ويتخصص بعض الكتاب لحوائج الناس أو لمنازعاتهم، أو لعلاقات القبائل وتوزيع الحقوق فيما بينهما ونحو ذلك مما يثبت أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن رسولاً فحسب، وإنما كان كذلك حاكماً ورئيساً لدولة  .

8. ........


واستمرت الخلافة الراشدية على الأسس نفسها التي قامت عليها الحكومة النبوية مع إضافة اصلاحات رائعة في عهد عمر بن الخطاب في نظام القضاء والإدارة بوضع الدواوين وتعيين القضاة وتحديد صلاحيات الولاة والعمال في الأمصار الإسلامية .





 إلا أنه في عهد أبي بكر فصلت السلطة القضائية عن السلطة الإدارية بدليل قول أبي عبيدة لأبي بكر: أنا أكفيك المال، وقول عمر له: وأنا أكفيك القضاء.





 وكانت الخلافتان الأموية والعباسية رمز قوة الدولة وصاحبة الكلمة النافذة في العالم مع وضوح التقسيمات الإدارية للدولة وتعيين اختصاصات الولاة والأمراء.





وكذلك كان شأن الدولة العثمانية عدة قرون.



وهكذا ظلت الدولة الإسلامية طوال عشرة قرون مثالاً صحيحاً للدولة نظمت شؤونها على نحو سليم يتضمن كل ما تتطلبه مقومات الدولة الأساسية في الوقت الحاضر، مع ملاحظة فارق التطور والتقدم العلمي الحديث.







(2) صلاحية نظام الحكم الإسلامي للتطبيق في الوقت الحاضر :

9. ........



 الخلافة (أو الإمامة أو إمارة المؤمنين) أو أي نظام شوري يجمع بين مصالح الدنيا والآخرة كلها ذات مدلول واحد ، لا يختلف عما هو متعارف الآن من أنظمة الحكم الدستورية النيابية إلا في أن الخلافة ذات صبغة دينية وسياسية أو رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا ولجميع المسلمين في كل قطر ، فهي تقوم على أساس الشورى أو الانتخاب، ويلتزم فيها تطبيق شريعة الإسلام، وتسود فيها مبادئ المساواة التامة في الحقوق والواجبات بين أفراد المجتمع، مهما اختلفت الأجناس والألوان، وتباينت الأقدار، وتتوخى تطبيق العدالة بحق، وتوفر لأبنائها الحرية الكافية في القول والرأي والنقد في ظل من القيم الخلقية الأصيلة  .



 والحاكم ليس هو صاحب السيادة، وإنما الأمة والشريعة معاً هما صاحبا السيادة في الدولة الإسلامية  .






 وهذا كله من الناحيتين النظرية والعملية قابل للتطبيق في الوقت الحاضر كما طبق في عصر صدر الإسلام، بشرط أن يتوافر لدى الناس الاستعداد الكافي وحسن التفهم والإدراك العقلي والتجريبي، مع مراعاة وسائل التطبيق الزمنية، إذ أن من مبادئ الفقه الإسلامي المرونة ومراعاة المصالح، وقابلية التطور في الأحكام الفقهية الاجتهادية، ودفع الضرر، وإقامة العدل ومنع العدوان. وبالتزام هذه المبادئ يتيسر على الناس اختيار شكل الحكم الذي يحقق تلك الأهداف دون تقيد بتسمية معينة كنظام الخلافة، وذلك عملاً بمبدأ نفي الحرج في الإسلام.






3 - هل يوجب الإسلام إقامة دولة؟




10. .......






 الإسلام نظام ديني ومدني متكامل، ويتلازم وجود المسلمين مع قيام الدولة، ومن أهم أركان كل دولة كما أشرت سابقاً وجود سلطة عامة سياسية عليا يخضع لهاجميع الأفراد المكونين للجماعة .



 لذلك نرى الأكثرية الساحقة من علماء الإسلام (وهم أهل السنة والمرجئة والشيعة والمعتزلة إلا قليلاً منهم، والخوارج ما عدا النجدات) تقرر وجوب إقامة حكومة عليا (أو إمارة أو دولة أو إمامة). والمراد بالوجوب هنا هو المعروف في علم أصول الفقه المرادف عند جمهور العلماء لمعنى الفرضية، وقد قال العلماء فعلاً: إن الإمامة فرض كفاية.



 قال ابن تيمية: يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس حتى قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة  .

 وقال ابن حزم: (اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيهم أحكام الله ، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي جاء بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم، حاشا النجدات، فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم .








ويليه انشاء الله




الفَصْلُ الرَّابع: الدَّولة الإسلاميَّة




المبحث الأول ـ أركان الدولة الإسلامية ونشأتها وشخصيتها :
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jamilsawan.freedomsyria.com
 
الدَّولة الإسلاميَّة...مقدمات
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
جميل صوان الإسلامي :: الفئة الثانية - نظام الحكم في الإسلام :: مقتبس من كتاب - لفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ الشاملة - أ.د. وَهْبَة الزُّحَيْلِيّ :: 4- الفَصْلُ الرَّابع- الدَّولة الإسلاميَّة-
انتقل الى: