جميل صوان الإسلامي

معلومات ونقاشات اسلامية منوعة
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 السُّلطة القضائيَّة في الإسلام....القضاء العادي وتنظيمه

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

المساهمات : 201
تاريخ التسجيل : 03/03/2015

مُساهمةموضوع: السُّلطة القضائيَّة في الإسلام....القضاء العادي وتنظيمه    الإثنين يونيو 01, 2015 6:02 pm

الفَصْلُ الثَّالث: السُّلطة القضائيَّة في الإسلام




المبحث الأول - نشأة القضاء وتاريخه وحكمه وأنواعه :
المبحث الثاني ـ القضاء العادي وتنظيمه :
المبحث الثالث ـ التحكيم
المبحث الرابع ـ ولاية المظالم
المبحث الخامس ـ نظام الحسبة أو ولاية الحسبة في الإدارة الإسلامية :
المبحث السادس ـ أصول التقاضي





الفَصْلُ الثَّالث: السُّلطة القضائيَّة في الإسلام
المبحث الثاني ـ القضاء العادي وتنظيمه :

ويحوي المطالب التالية


المطلب الأول ـ شروط القاضي :
المطلب الثاني ـ واجبات القضاة :
المطلب الثالث ـ أنواع القضاة واختصاصاتهم :
المطلب الرابع ـ تنظيم القضاء :

المطلب الأول ـ شروط القاضي :


القضاء ولاية عامة مستمدة من الخليفة كغيره من ولايات الدولة كالوزارة ونحوها، فلا يصلح للتعيين فيه إلا من كان مستكملاً أوصافاً معينة مستلهمة من صنيع الخلفاء الراشدين الذين كانوا يتشددون في اختيار القضاة طبقاً لأهلية معينة. وقد حدد الفقهاء هذه الشروط، فاتفقوا على أكثرها واختلفوا في بعضها.


أما الشروط المتفق عليها بين أئمة المذاهب فهي أن يكون القاضي عاقلاً بالغاً، حراً ، مسلماً، سميعاً بصيراً ناطقاً، عالماً بالأحكام الشرعية.

• أولاً ـ أهلية البلوغ والعقل: حتى تتحقق فيه المسؤولية عن أقواله وأفعاله، وليستطيع إصدار الحكم في الخصومات على غيره، قال الماوردي: «ولا يكتفى فيه بالعقل الذي يتعلق به التكليف من علمه بالمدركات الضرورية، حتى يكون صحيح التمييز، جيد الفطنة، بعيداً عن السهو والغفلة، يتوصل بذكائه إلى إيضاح ما أشكل وفصل ما أعضل» .

• ثانياً ـ الحرية: لأنه لا تصح ولاية العبد على الحر؛ لما فيه من نقص يمنع انعقاد ولايته على غيره. ولم يعد هذا الشرط ذا موضوع الآن.

• ثالثاً - الإسلام: لأن القضاء ولاية، ولا ولاية لغير المسلم على المسلم، فلا تقبل شهادته عليه، لقوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} [النساء:141/4]. وأجاز أبو حنيفة تقليد غير المسلم القضاء بين أهل دينه.

• رابعاً ـ سلامة الحواس من السمع والبصر والنطق ليتمكن من أداء وظيفته، فيميز بين المتخاصمين، ويعرف المحق من المبطل، ويجمع وسائل إثبات الحقوق، ليعرف الحق من الباطل.

• خامساً ـ العلم بالأحكام الشرعية: بأن يعلم بفروع الأحكام الشرعية ليتمكن من القضاء بموجبها.



وأما الشروط المختلف فيها فهي ثلاثة: العدالة، والذكورة، والاجتهاد.

• أما العدالة: فهي شرط عند المالكية والشافعية والحنابلة، فلا يجوز تولية الفاسق، ولا مرفوض الشهادة بسبب إقامة حد القذف عليه مثلاً، لعدم الوثوق بقولهما، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة، فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} [الحجرات:6/49] فإذا لم تقبل الشهادة من امرئ فلأن لا يكون قاضياً أولى.

وقال الحنفية: الفاسق أهل للقضاء، فلو عين قاضياً صح قضاؤه للحاجة، لكن ينبغي ألا يعين، كما في الشهادة ينبغي ألا يقبل القاضي شهادة فاسق، لكن لو قبل ذلك منه جاز، مع وقوعه في الإثم. وأما المحدود في القذف فلا يعين قاضياً ولا تقبل شهادته عندهم.

• وأما الذكورة: فهي شرط أيضاً عند المالكية والشافعية والحنابلة، فلا تولى امرأة القضاء؛ لأن القضاء ولاية، والله تعالى يقول: {الرجال قوامون على النساء} [النساء:34/4] وهو يحتاج إلى تكوين رأي سديد ناضج، والمرأة قد يفوتها شيء من الوقائع والأدلة بسبب نسيانها، فيكون حكمها جوراً، وهي لا تصلح للولاية العامة لقوله صلّى الله عليه وسلم : «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»  .

وقال الحنفية: يجوز قضاء المرأة في الأموال، أي المنازعات المدنية؛ لأنه تجوز شهادتها فيها. وأما في الحدود والقصاص، أي في القضاء الجنائي، فلا تعين قاضياً؛ لأنه لا شهادة لها في الجنايات، وأهلية القضاء تلازم أهلية الشهادة.

وأجاز ابن جرير الطبري قضاء المرأة في كل شيء لجواز إفتائها ورد عليه الماوردي بقوله: ولا اعتبار بقول يرده الإجماع مع قول الله تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض} [النساء:34/4] يعني في العقل والرأي، فلم يجز أن يقمن على الرجال  .

• وأما الاجتهاد: فهو شرط عند المالكية والشافعية والحنابلة وبعض الحنفية،
كالقدوري، فلا يولى الجاهل بالأحكام الشرعية ولا المقلِّد  ؛ لأن الله تعالى يقول: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله } [المائدة:49/5] {لتحكم بين الناس بما أراك الله } [النساء:105/4] {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء:59/4] ولأن الاجتهاد يستطيع به المجتهد التمييز بين الحق والباطل، قال النبي صلّى الله عليه وسلم : «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار. فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق، فقضى به. ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار»  والعامي يقضي على جهل.

وأّهلية الاجتهاد تتوافر بمعرفة ما يتعلق بالأحكام من القرآن والسنة وإجماع الأمة، واختلاف السلف، والقياس، ولسان العرب
. ولا يشترط الإحاطة بكل القرآن والسنة أو الاجتهاد في كل القضايا، بل يكفي معرفة ما يتعلق بموضوع النزاع المطروح أمام القاضي أو المجتهد.

وقال جمهور الحنفية: لا يشترط كون القاضي مجتهداً،
والصحيح عندهم أن أهلية الاجتهاد شرط الأولوية والندب والاستحباب. فيجوز تقليد غير المجتهد للقضاء، ويحكم بفتوى غيره من المجتهدين؛ لأن الغرض من القضاء هو فصل الخصائم وإيصال الحق إلى مستحقه، وهو يتحقق بالتقليد والاستفتاء. لكن قالوا: لا ينبغي أن يقلد الجاهل بالأحكام، أي بأدلة الأحكام؛ لأن الجاهل يفسد أكثر مما يصلح، بل يقضي بالباطل من حيث لا يشعر به.

والواقع في زماننا عدم توافر المجتهدين بالمعنى المطلق، فيجوز تولية غير المجتهد،
ويولى الأصلح فالأصلح من الموجودين في العلم والديانة والورع والعدالة والعفة والقوة. وهذا ما قاله الشافعية والإمام أحمد، وقال الدسوقي من المالكية: والأصح أن يصح تولية المقلد مع وجود المجتهد.


المطلب الثاني ـ واجبات القضاة :

عرفنا سابقاً أنه يلتزم القضاة وجوباً بأمور، وندباً أو استحباباً بأمور أخرى.


• أما الواجبات المفروضة عليهم أساساً فهي  :


      o أولاً ـ بالنسبة للقانون الواجب التطبيق:
                هو الالتزام بالأحكام الشرعية، فيجب على القاضي أن يقضي في كل حادثة بما يثبت عنده أنه حكم الله تعالى؛ إما بدليل قطعي: وهو النص المفسر الذي لا شبهة فيه من كتاب الله عز وجل، أو السنة المتواترة، أو المشهورة، أو الإجماع.

               وإما بدليل ظاهر للعمل كظواهر النصوص المذكورة في القرآن الكريم أو السنة المشرفة، أو الثابت بالقياس الشرعي، في المسائل الاجتهادية التي اختلف فيها الفقهاء.

              فإن لم يجد القاضي حكم الحادثة في المصادر الأربعة (الكتاب والسنة والإجماع والقياس) يجب عليه العمل بما أداه إليه اجتهاده إن كان مجتهداً. وإن لم يكن مجتهداً يختار قول الأفقه والأورع من المجتهدين بحسب اعتقاده.

             والأفضل بسبب تعدد آراء الفقهاء وضع تقنين موحد للأحكام الشرعية، كمجلة الأحكام العدلية في المعاملات المدنية، وكمرشد الحيران والأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية لقدري باشا.

      o ثانياً ـ في تكوين رأي القاضي واقتناعه:

           الالتزام بوسائل الإثبات الشرعية كالشهادة والإقرار والكتابة واليمين والقرائن القطعية والعرفية، حتى يكون حكمه ـ كما هو مقرر بداهة ـ مبنياً على دليل صحيح لا يتعرض للنقض والطعن والتهمة.

     o ثالثاً ـ منع التهمة: وهو ألا يقضي لخصم يتهم بمحاباته بأن يكون ممن تقبل شهادته للقاضي. فإن كان ممن لا تقبل شهادته له لا يجوز قضاء القاضي له؛ لأن القضاء له قضاء لنفسه من جهة، فلم يكن القضاء مجرداً، وإنما فيه تهمة، فلا يصح القضاء. وعلى هذا يجب على القاضي الامتناع والتنحي عن القضاء لنفسه أو لأحد أبويه أو أجداده، أو لزوجته أو لأولاده وأحفاده، أو لكل من لا تجوز شهادته لهم بسبب التهمة. وهو رأي أكثر الفقهاء  .

• وأما الواجبات المندوبة أو الكمالية للقاضي
فهي كثيرة مستمدة في أغلبها من رسالة سيدنا عمر في القضاء والسياسة إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما، وهي تتوخى إقامة العدل المطلق في أكمل وأدق صوره. وبعض هذه الآداب مستمد أيضاً من كتاب علي كرم الله وجهه إلى الأشتر النخعي.

    وهذه الآداب نوعان: عامة وخاصة  .
          o فالآداب العامة: كالمشاورة لجماعة من الفقهاء، والتسوية بين الخصمين في المجلس والإقبال، ورفض قبول الهدايا: «هدايا الأمراء غلول»  أي خيانة، والامتناع عن قبول الدعوات الخاصة، أو العامة إذا كان لصاحبها خصومة أو مصلحة.

         o والآداب الخاصة: كاتساع مكان القضاء (المحكمة)، وملاءمته المناخ أو الطقس في الحر والبرد، والاستعانة بالمساعدين القضائيين كالكتاب والحارس، والمزكي، والترجمان، والمحضر (الذي يحضر الخصوم ويبلغ الدعاوى)، ونائب القاضي حالة السفر أو المرض أو أداء فريضة الحج ونحوها، ووكلاء الخصومة (المحامين) . ومن هذه الآداب: ضرورة فهم كل ما يتعلق بالمنازعة أو الخصومة موضوع الدعوى ، وصفاء القاضي نفسياً بألا يكون قلقاً ضجراً مضطرباً وقت القضاء بسبب الغضب ونحوه من كل ما يشغل النفس من الهم والنعاس والجوع المفرط والعطش المفرط، والتخمة، والخوف، والمرض وشدة الحزن والسرور، ومدافعة الأخبثين (البول والغائط). ومنها الاعتماد على مبدأ تزكية الشهود، والأخذ بمبدأ مصالحة الخصمين قبل الحكم لقوله تعالى: {والصلح خير} [النساء:128/4].

• وأما حقوق القضاة فمنها المادي ومنها المعنوي.

فمن الحقوق المادية: توفير الكفاية المعيشية له ولأسرته بتخصيص مرتب كاف له، كيلا تمتد يده إلى أموال الناس، ولا يتطلع إلى الهدية أو الرشوة. وقد سار النبي وخلفاؤه على هذا النهج. ويضمن بيت المال الضرر الناشئ عن أحكام القضاة دون عمد ولا تقصير أو إهمال.

ومن الحقوق المعنوية:
توفير الاستقرار للقاضي وعدم عزله إلا بسبب شرعي، تحقيقاً للحصانة القضائية له. وعلى الدولة حماية القاضي من أي تعرض له بسبب حكمه، ومنع مخاصمته في الحكم، ومعاونته في تنفيذ أحكامه.




المطلب الثالث ـ أنواع القضاة واختصاصاتهم :


قسم أقضى القضاة الماوردي قضاة زمانه بحسب عموم ولا يتهم وخصوصها إلى أنواع أربعة وهي:

[size=18]           • أولاً ـ القاضي ذو الولاية العامة:
وهو القاضي الذي لا تتحدد ولايته بزمان ومكان معين، ولا بأشخاص معينين، وإنما له سلطة مطلقة بالنظر والتصرف فيما يختص بولايته. واختصاصه يشمل عشرة أمور، وهي :

                1 - فصل المنازعات وقطع المشاجرة والخصومات، إما صلحاً عن تراض فيما يحل شرعاً، أو بحكم بات ملزم.

                2 - استيفاء الحقوق ممن مطل بها، وإيصالها إلى مستحقيها بعد ثبوت استحقاقها بالإقرار أو البينة ونحوهما من طرق الإثبات الشرعية.

                3 - ثبوت الولاية على عديم الأهلية بجنون أو صغر، والحجر على ناقص الأهلية بسبب السفه (التبذير) والإفلاس، حفظاً للأموال، وتصحيحاً للعقود.

               4 - النظر في الأوقاف، بحفظ أصولها، وتنمية فروعها، وصرف ريعها لمستحقيها.

               5 - تنفيذ الوصايا على شروط الموصي فيما أباحه الشرع.

               6 - تزويج الأيامى بالأكفاء إذا عدِمن الأولياء ودعين إلى النكاح، وهذا مقصور عند الحنفية على تزويج الصغار.

               7 - إقامة الحدود على مستحقيها: فإن كان من حقوق الله تعالى تفرد باستيفائه من غير طالب. وإن كان من حقوق الآدميين كان موقوفاً على طلب مستحقه.

              8 - النظر في مصالح عمله من الكف عن التعدي في الطرقات والأفنية، وإخراج ما لا يستحق من الأجنحة والأبنية، وله أن ينفرد بالنظر فيها، وإن لم يحضره خصم. وقال أبو حنيفة: لا يجوز له النظر فيها إلا بدعوى من الخصم.

              9 - تصفح شهوده وأمنائه واختيار النائبين عنه من خلفائه في إقرارهم والتعويل عليهم.

            10 - التسوية في الحكم بين القوي والضعيف، والعدل في القضاء بين المشروف والشريف، ولا يتبع هواه في تقصير المحق، أو ممايلة المبطل.

ويلاحظ أن هذه الأمور تتضمن بعض التوجيهات العامة بالإضافة إلى تحديد الاختصاصات القضائية.


       • ثانياً ـ القاضي خاص الولاية:
وهو الذي تقتصر ولايته على بعض الاختصاصات المتقدمة، أو تكون ولايته ذات اختصاص موضوعي أضيق، كالحكم بالإقرار دون البينة، أو في الديون، دون الأحوال الشخصية، أو في المقدرات الشرعية، فيتقيد بما خصص فيه، ولا يتعداه إلى غيره  .

      • ثالثاً ـ القاضي عام النظر خاص العمل (الاختصاص المكاني)
: وهو الذي يختص بالنظر في جميع اختصاصات النوع الأول، ولكن في بلدة معينة أو محلة معينة، فتنفذ أحكامه في هذا النطاق فقط  .

     • رابعاً ـ القاضي المحدد الولاية: وهو الذي تقتصر ولايته بالحكم في قضية أشخاص معينين، أو في أيام محدودة، كيوم السبت وحده بالنسبة لجميع الدعاوى بين الخصوم، وتزول ولايته بعدئذ .



[/size]
المطلب الرابع ـ تنظيم القضاء :


الكلام عن تنظيم القضاء يتناول أموراً كثيرة أهمها:

طرق تعيين القضاة وعزلهم، وتخصص القضاة، وأسلوب القضاء الفردي والجماعي ودرجات التقاضي أو المحاكم.
والتنظيم القضائي: هو مجموعة القواعد والأحكام التي تؤدي إلى حماية الحقوق وفصل الخصومات.

[size=18]          
• طرق تعيين القضاة وعزلهم :

القضاء ولاية من الولايات المستمدة من الخليفة باعتباره ممثلاً الأمة، فلا بد للقاضي من تعيين صادر عن الحاكم الأعلى أو نائبه، سواء أكان عادلاً أم جائراً، ولا يصح أن يولي نفسه، أو يوليه جماعة من الرعية. وقد بيَّن الماوردي  صيغة قرار التعيين الصريح أو ما يقوم مقامه من الألفاظ الدالة على التقليد أو الاستخلاف أو النيابة،

واشترط لتمام الولاية أربعة شروط مجملها:

              معرفة المولي توافر الصفات اللازمة في المولَّى، ومعرفة المولَّى بصلاحية المولي للتعيين،

              تحديد اختصاص القاضي، وتعيين البلد التي يقضي فيها.

              وللحاكم عزل القاضي متى شاء، والأولى ألا يعزله إلا بعذر، كما أن للقاضي عزل نفسه من القضاء إذا شاء، والأفضل ألا يعتزل منصبه إلا بعذر، لما في عمله من تحقيق مصلحة عامة للمسلمين، ولا ينعزل القاضي عند الحنفية بعزل الحاكم إلا بعلمه بذلك، وتظل أحكامه نافذة حتى يبلغه نبأ العزل.

             وتنتهي ولاية القاضي كما تنتهي الوكالة العادية بأسباب أخرى كالموت والجنون المطبق، وإنجاز المهمة الموكولة للشخص، إلا في أمر واحد: وهو أن الموكل العادي إذا مات أو خلع ينعزل الوكيل. أما ولي الأمر الحاكم إذا مات أو خلع فلا ينعزل قضاته وولاته؛ لأن الحاكم لا يعمل باسمه الشخصي، وإنما بالنيابة عن جماعة المسلمين، وولاية المسلمين تظل باقية بعد موت الإمام.


       • تخصص القضاة :


       يتخصص القضاة زماناً ومكاناً ونوعاً وموضوعاً.

            1 - التخصص الزماني: وهو أن يتخصص القاضي بالنظر في وقت معين، كأيام محددة في الأسبوع. وهو حالة من حالات اختصاص القاضي المحدد الولاية كما بيَّن الماوردي.

           2 - التخصص المكاني: وهو تقييد القاضي بالقضاء في بلدة معينة أو أكثر، أو ناحية من بلد معين، كما قلد النبي صلّى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب قضاء اليمن، وقلد معاذ بن جبل القضاء في ناحية منها. وهذا هو اختصاص النوع الثالث من أنواع القضاة الذين ذكرهم الماوردي.

          3 - التخصص النوعي: وهو تخصيص القاضي عند تعيينه أو بعده ببعض معين من القضايا، كما هو الحادث الآن في دوائر المنازعات المدنية، والأحوال الشخصية، والتجارية، والجنائية ونحوها. أو تخصيصه بقضايا لا تزيد فيها المبالغ المستحقة عن قدر معين. وقد سبق بيانه في النوع الثاني من أنواع القضاة.

         4 - التخصص الموضوعي: وهو الاقتصار على سماع دعاوى موضوعات معينة والمنع من سماع دعاوى أخرى، كدعوى الوقف أو الإرث، بسبب مضي المدة أو التقادم الطويل الأمد بلا عذر، وهو مدة ( 33 أو 36) سنة في الأوقاف وأموال بيت المال، أو 15 سنة في الحقوق الخاصة؛ لأن ترك الادعاء مع الإمكان يدل على عدم الحق ظاهراً.
ومنها عدم سماع دعوى الزوجية بسبب صغر السن، في الفتى دون 18 سنة، وفي الفتاة دون 16 سنة مثلاً.


          • أسلوب القضاء الفردي والجماعي :


          إن أساس القضاء الذي كان سائداً في الإسلام هو الأخذ بنظام وحدة القاضي أو القاضي الفرد كما عرفنا: وهو أن يفصل في الخصومات قاض واحد يعينه الإمام أو نائبه في بلد معين. ولا مانع عند فقهاء الحنفية  وبعض الحنابلة والشافعية من الأخذ بنظام قضاء الجماعة: وهو اشتراك أكثر من قاض في نظر الدعاوى؛ لأن القاضي نائب أو وكيل عن الإمام، وللموكل أن يوكل عنه شخصاً أو أكثر، وحينئذ فلا بد من اشتراكهم جميعاً عند النظر في الدعاوى وإصدار الحكم فيها، على أساس الشورى.

         وأما غير الحنفية الذين لم يجيزوا تعدد القضاة، فتعللوا بتعذر اتفاق القضاة في الرأي بالمجتهد فيه، مما يؤدي إلى تعذر الفصل في الخصومات. وهذا السبب يمكن التغلب عليه بالأخذ برأي الأكثرية، ولأن القضاة يستندون إلى الرأي الذي صوبه الإمام، كما قال بعض الشافعية.


         • درجات التقاضي أو درجات المحاكم والطعن في الأحكام :


               الأصل في القضاء أن يكون على درجة واحدة حسماً للنزاع في أسرع وقت، ولكن ضماناً لسير العدالة وإحقاق الحق، وبسبب قلة الورع، ونقص العلم، جرى العمل حديثاً على تعدد المحاكم.

              ولا مانع في الفقه الإسلامي من مبدأ التعدد، بدليل أن سيدنا علياً قضى بين خصمين في اليمن، وأجاز لهما إذا لم يرضيا أن يأتيا رسول الله صلّى الله عليه وسلم ، فأتياه فأقر قضاء علي. وقال عمر لأبي موسى الأشعري في رسالته المشهورة: «ولا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس، ثم راجعت فيه نفسك، وهديت لرشدك أن ترجع إلى الحق؛ لأن الحق قديم، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل» .

            وقد فصل فقهاء المذاهب الأربعة هذا الموضوع في بحث الاجتهاد أو نقض الحكم على النحو التالي:

                  o إذا كان الحكم معتمداً على دليل قطعي من نص أو إجماع أو قياس جلي  فلا ينقض؛ لأن نقضه إهمال للدليل القطعي، وهو غير جائز أصلاً.

                 o وأما إذا خالف الحكم دليلاً قطعياً، فينقض بالاتفاق بين العلماء، سواء من قبل القاضي نفسه، أو من قاضٍ آخر، لمخالفته الدليل.

                o فإن كان الحكم في غير الأمور القطعية، وإنما في مجال الاجتهادات أو الأدلة الظنية، فلا ينقض (أي بحسب نظام القضاة الفردي) حتى لا تضطرب الأحكام الشرعية أو تنعدم الثقة بأحكام القضاة، وتبقى الخصومات على حالها بدون فصل زماناً طويلاً.

              o أما في أسلوب تعدد المحاكم، فإن الخصمين يعلمان سلفاً أن الحكم لم يكتسب الدرجة القطعية، وإنما يجوز استئنافه ونقضه، فلم تعد هناك خشية من اضطراب الأحكام؛ لأن الحكم لم يكتمل بعد. ويمكن تأييد ما ذكر بما قرر الفقهاء من جواز نقض الحكم إذا صدر سهواً، أو ظهر فيه خطأ  . فإن اكتسب الحكم الدرجة القطعية من محكمة النقض، فلا ينقض الحكم السابق في حادثة مشابهة عملاً بقاعدة: «الاجتهاد لا ينقض بمثله» وأصلها قول عمر: «تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي» .


[/size]
والخلاصة:

إن فقهاءنا عرفوا مبدأ الطعن في الأحكام، ولا يعد تنظيم المحاكم حديثاً مخالفاً لمبادئ الإسلام، وإنما يتمشى معها، عملاً بما قرره الفقهاء فيما يجوز نقضه من الأحكام أو الطعن في الحكم بسبب التهمة الموجهة للقاضي. وقد عرف القضاء في الأندلس فعلياً مبدأ القضاء بالرد.

[size=18]         • صفة قضاء القاضي :


             o يلاحظ أخيراً أن حكم القاضي عند جمهور العلماء يعتمد الظاهر في المال وغيره من الأحوال الشخصية، فلا يحل الحرام ولا يحرم الحلال، ولا ينشئ الحقوق وإنما يظهرها ويكشف عنها في الوقائع، عملاً بالحديثين السابقين: «نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر»  «إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحوٍ مما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من نار»  .

          o وقال أبو حنيفة: ينفذ حكم القاضي في العقود والفسوخ ظاهراً وباطناً؛ لأن مهمته القضاء بالحق. فلو ادعى رجل على امرأة أنه تزوجها، فأنكرت، فأقام على ادعائه شاهدي زور، فقضى القاضي بعقد الزواج بينهما، حل للرجل الاستمتاع بها. ولو قضى القاضي بالطلاق فرق بينهما، وإن كان الرجل منكراً. ونفاذ حكم القاضي على هذا النحو مقيد بشرطين: ألا يعلم بكون الشهود زوراً، وأن يكون من الأمور التي له فيها صلاحية الإنشاء.


[/size]
يليه بإذن الله
الفَصْلُ الثَّالث: السُّلطة القضائيَّة في الإسلام
المبحث الثالث ـ التحكيم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://jamilsawan.freedomsyria.com
 
السُّلطة القضائيَّة في الإسلام....القضاء العادي وتنظيمه
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
جميل صوان الإسلامي :: الفئة الثانية - نظام الحكم في الإسلام :: مقتبس من كتاب - لفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ الشاملة - أ.د. وَهْبَة الزُّحَيْلِيّ :: 3- الفَصْلُ الثَّالث-السُّلطة القضائيَّة في الإسلام-
انتقل الى: